Header Ads

أخر المواضيع
recent

..من يرثيك يا شيخ المالوف؟


تعددت ألقابه منذ بداياته الفنية، وظلت تتعالى درجاتها كلما تقدمت السنوات، انطلاقا من "صاحب الصوت الذهبي" وصولا إلى "عميد الموسيقى الأندلسية"، ليبقى في الأخير محتفظا بتاج "ملك المألوف" دون منازع، حيث شهد له شيوخ المالوف الذين صارعوا من أجل الإبقاء على محلية وجزائرية هذا النوع الموسيقي من سرقات بعض من نسبوه إليهم، على أنه "الظاهرة الاستثنائية في فضاء المالوف"، فيما أجمع الباحثون في الموسيقى الجزائرية أنه الشخصية الفنية التي طبعت المالوف في قلبها، ورفعته بكمانها وعودها، وحافظ عليه بحنجرته من الضياع والاندثار، وأضفى عليه الجديد المتميز الراقي الذي لم يتمكن أحد من بعده ورغم الأصوات اللامعة أن يضاهيه، إنه الحاج محمد الطاهر الفرڤاني بـ70 سنة من العطاء.

تعد أنواع الموسيقى الأصيلة في الجزائر من الحوزي والمالوف من أصول أندلسية، حيث إن العائلات المهاجرة من الأندلس والتي نزلت بالمغرب الأوسط وتحديدا بتلمسان والبليدة وبجاية وتنقلت إلى قسنطينة، حملت معها الفن والتراث الأندلسيين، فامتزج مع ما كان موجودا من موسيقى وطبوع في تلك المناطق ليصبح على ما هو عليه الآن، وأصبح هناك نتاج جزائري محلي بحضور الصورة الشعبية في موسيقى الحوزي والمالوف، حيث استلهموا إيقاعات الموسيقى الأندلسية، وأدخلوا عليها نصوصا محلية، إلى جانب قصائد ونصوص لشعراء شعبيين ومن الشعر البدوي، استلهم منها "أرباب الموسيقى" في المدينة ووظّفوها في قوالب موسيقية لقيمها الفنية والجمالية. وتعد قسنطينة التاريخية عاصمة الشرق الجزائري من المدن التي احتضنت الكثير من الفنون والثقافات وتوارثتها الأجيال، حيث اختارت فن المالوف شعارا عالميا تتقاسمه مع تونس وليبيا، وإن تغيرت مناهجه من منطقة لأخرى، حيث كان الفرڤاني أحد الحاملين لمشعله بكل قوة، وقد أسر مطرب المألوف الأول في الجزائر الحاج محمد الطاهر الفرڤاني القلوب قبل الأذان طيلة مشواره الفني الغني والحافل، إذ ارتقى بالأغنية القسنطينية ومنحها التجديد، وأسمعها في كل ربوع الوطن وعبر العالم. ومن حب المدينة له نسبت اسم لباسها التقليدي المطرّز بالذهب "الفرڤاني"، أو "قندورة القطيفة" كما يسميها سكان الصخر العتيق، وظل المصنف رقم واحد رغم ظهور أصوات جميلة في قسنطينة وعنابة، على غرار عبد المومن بن طوبال والحاج درسوني والفنان حمدي بناني، ولا تزال أشرطة وأغاني الفرڤاني تذاع في القنوات الإذاعية وفي بعض محلات الموسيقى، خاصة تلك الموجودة في وسط مدينة قسنطينة. وقد استقطب الفرڤاني لهذا اللون التراثي العديد من الشباب منذ سنوات الخمسينات وإلى غاية سنوات الألفينات، رغم ما عرفه المجال الفني من تطور في الأغنية وإدخال للتكنولوجيات، واختيار بعض الشباب لعصرنة أغنية المالوف، حيث ظل الفنان الذي جمع بين الأداء والتلحين الأصيل يقدّم الأغنية المهذبة التقليدية النابعة من الهوية، والتي عاشت منذ نزول المسلمين الأندلسيين إلى الشمال الإفريقي وإلى غاية يومنا هذا، فقد استلهم أغانيه مما تركته الذاكرة الشعبية من موشحات وجزل وقصيد، واحترفه، وظل يورّثه لأبنائه من الوسط الفني ولمن تبناهم في أغنية المالوف، والذين عشقوها من عشقهم للحاج الفرڤاني ولأولاده من صلبه الذين ساروا على نهجه وانتقلت إلى الأحفاد.   عائلة فنية ووالد مؤدي أثر في موهبة الفرڤاني الشاب ولد محمد الطاهر رقاني الذي أطلق عليه فنيا لقب الفرڤاني في 9 ماي 1928 بالمدينة القديمة لقسنطينة، حسب ما ذكره صديقه والباحث في تاريح قسنطينة مولود بن سعيد، وتحديدا بإحدى البنايات المتواجدة بحي بلوصيف كمال بما يسمى حاليا "دروج المزابي"، قبل أن ينتقل للعيش رفقة عائلته إلى منطقة سيدي لجليس العريقة، حيث درس التعليم القرآني وحفظ بعضه في زواية سيدي لجليس، ثم انتقل رفقة أسرته الكبيرة مجددا إلى منطقة الرصيف بوسط المدينة القديمة دائما، في وقت كانت له انتماءات فنية بدأت تتنامى وتظهر، كانت في البداية بعيدة عن فن المالوف، فقد كان يحترف العزف على آلات موسيقية لها ارتباط مع الموسيقى العربية كالناي والعود، وله من العمر 14 سنة، رغم أن العثور على آلة موسيقية كان مهمة صعبة آنذاك، وافتتح محلا له في حيّه وهو لم يتجاوز العشرين لبيع الأوتار وبعض المعدات الخاصة بالآلات الموسيقية التي أحبها منذ صغره، كما سمح له الاحتكاك اليومي بالموسيقى بالتحكّم في أهم آلة تحدّد الإيقاع في الأغنية القسنطينية وهو "الجواق". وقد رافق الفرڤاني الشابَ والده الشيخ حمو الفرڤاني الذي كان يحيي الأعراس والأفراح في قسنطينة، ويغني الحوزي والجوزي، كان يستمع له ويتأثّر به، خاصة أنّه يصنف من بين الأوائل الذين غنوا المالوف. وينتمي الحاج إلى عائلة فنية متفرعة تبدأ من الأخ الأكبر عبد الكريم، وكان من أكبر الحرّاجين المحترفين في اللباس التقليدي ثم الزواوي، وكان من الفرقة التي أسّسها الفرڤاني عازفا على آلة العود، ثم شقيقه عبد الحميد الذي كان عضوا بالفرقة وعازفا على آلة "القيثارة"، وأخ له آخر يعزف على "النقارات"، كما كان للعنصر النسوي في عائلة الفرڤاني أيضا دور في إحياء الفن الشعبي لقسنطينة، فقد كانت أخته زهور الفرڤاني من أهم مغنيات فرقة "الفقيرات" النسوية، وشقيقته التوأم زلوخة من فرقة "البنوتات"، وهي والدة الفنان زين الدين بوشعالة، حيث كوّنت العائلة مجموعة هدفها الحفاظ على التراث وكان محمد الطاهر أبرزهم.   الشيخ حسونة الباديسي يحتضن الفرڤاني للحفاظ على المالوف قرر محمد الطاهر الفرڤاني في بداياته الفنية تسجيل طقطوقات موسيقية عربية، لأن صوته يتناسب معها، وفي وقت لم يكن لديه إطار محدد للغناء، فقد سمعه شيوخ المالوف في العشرينات من عمره فانبهروا لمساحة صوته الطبيعي العذب الذي لا يحتاج إلى تكوين، فقد كان صداه يسمع من بعيد، وليومنا هذا لم يصنف صوت في خانة صوته قبل تواجده في الساحة الفنية وبعد اكتساحه لها لأزيد من 60 سنة، فقرروا تبني هذا الشاب وتعليمه أبجديات فنهم من أجل تقديمه كخليفة لهؤلاء الشيوخ في أغنية المالوف وللحفاظ عليها من الضياع، خاصة أن البعض منهم كان يبحث عن شاب يحمل هذا التراث منذ سنوات، من بينهم الشيخ قارة بغلي "بابا عبيدة"، وكان من العازفين على آلة "الفحل" أو "الجواق"، وشخصية أخرى هي الشيخ التومي الذي كان هدفه الحفاظ على الموسيقى بأشكالها، حيث لقّنه "المحاجز" و "الحواجة"، كما لقّنه الحفظ، وكان لكل منهم مرحلة في تكوين الفرڤاني. فأسّس الراحل فرقة موسيقية رفقة شيوخه، كانت تؤدي كذلك الأغاني الوطنية الدينية، وأغاني أخرى على غرار "أنا منيش فيدا"، "يا صلاة النبي الحبيب"، "مسلم ولا حيزية تشكر فيا".   تبنّى المالوف فتبنّاه.. قال الباحث مولود بن سعيد إن أهم الشيوخ الذين طبعوا بصمتهم على العميد، والشخصية التي أعطت فرصة للفرڤاني في الاطلاع بعمق على المضامين وعلى الطبوع الموجودة في المالوف، واحتضنه كثيرا ونقل عنه الكثير، هو الشيخ حسونة علي خوجة الذي كان يملك نصوص المالوف المشكّلة، وأدخل عليها بعض النصوص العربية، على غرار المعلقات. الشيخ حسونة علي خوجة الذي اعتبر الفرڤاني جوهرة تم اكتشافها ويستلزم وضعها في مكانها الشاغر، توسّع في المزيد من القدرات والإمكانيات الخاصة بالحاج، خاصة أنه يعزف على العود العربي القسنطيني المفقود، ثم علّمه الكثير من الأمور الخاصة بالمالوف، ويذكر الحاج الفرڤاني أن شيخه كان مصرا على نسيان كل ما تعلمه من قبل، والمحافظة على المالوف، ويتبناه قلبا وقالبا. ويعد الشيخ حسونة علي خوجة من المتأثرين بفكر العلامة عبد الحميد بن باديس، بالهوية العربية الإسلامية، ومتشبعا بالفكر الوطني، ورأى أن الفرڤاني هو الشخص الذي سيسترجع هوية هذا الفن الذي نسبه يهود قسنطينة آنذاك لهم، والذين كان لهم علاقة متينة مع بعض أعيان المدينة، كما دُعّمت هذه الفئة اليهودية من قبل الإدارة الاستعمارية آنذاك التي تعمّدت تفريغ المحتوى الثقافي من أصله الجزائري، فقد صاحب مرحلة اكتشاف الفرڤاني سيطرة اليهود على المالوف سنوات الخمسينات، فقد كانت فرنسا تستعملهم كعناصر من أجل تطبيق سياستها وأهداف فرنسا وسط المجتمع المستعمر، على رأسهم ريمون ليريس الذي قتله فدائيو الثورة بالقرب من منطقة "سوق العصر" لانضمامه إلى المنظمة السرية التي كانت تقتل الجزائريين، وكان يلقب هنا "الشيخ ريمون"، وهو والد زوجة المغني الفرنسي ذي الأصول اليهودية أنريكو مسياس، اشتغل بالتعليم وكان أكبر مؤدٍّ للمالوف باللهجة العربية، وعملاقا أمام شيوخ المدينة، فنسب هذا الفن لبني جنسه وطائفته، وشاع صيته حتى في وسط العائلات القسنطينية والبرجوازية التي كانت توجه له دعوة لإحياء الأعراس. وأمام هذه الحالة، قدمّه الشيخ حسونة الذي واصل مسيرته معه إلى غاية وفاته، ودعّمه في منع سرقة المالوف الذي كاد يضيع وتصدّى لهذا الزحف اليهودي، فبزغ نجم الفرڤاني الذي ظل حاملا للهوية الجزائرية العربية المسلمة بجذورها الأمازيغية، وكان منافسا كبيرا له بإرادة قوية، ولم يقصد هذا الأخير "الفندق" الذي كان فنانو المالوف يقصدونه على غرار اليهود وبعض الشباب، حيث كان يوجّه لأغراض أخرى خارج الغناء والاستماع للطرب.   شعبي رفضته الطبقة البرجوازية بعد تجديده للمالوف غيّر الحاج الطاهر الفرڤاني من طابع المالوف، فمع أنه حافظ عليه وعلى أصوله وأبجدياته، فقد أدخل عليه الجديد ليواكب عصره آنذاك بطريقة ذكية، رغم الظروف الصعبة التي كانت تحيط بالفنان في ذلك الوقت، ويعد الحاج من المجدّدين في طابع المالوف، وكان له الفضل في ظهور مطربين في هذا الطبع الفني، حيث لاقى العميد في بدايته رفض بعض الأشخاص، خاصة منهم العائلات البرجوازية، وهي المجموعة التي كانت تعتبر المالوف "فن النخبة فقط" والطبقات الثرية والمثقفة، كما قابله خوف فرنسي من التغذية الثقافية للجزائريين، وتهذيب فكرهم بالفن، وتوسّعت دائرة محبي المالوف، خاصة أن الفرڤاني هو إنسان "شعبي" ينتمي إلى سكان المدينة القديمة ومتغلغل في أوساطها، فطرح سؤال: كيف بإمكانه أن يغني هذا النوع الصعب؟ إلا أن القضية لم تؤثر عليه، وجعلت صيت الفرڤاني ينتشر ويسمع في المقاهي والساحات وجميع المحلات، وكان الجميع يتهافت من أجل الحصول على موافقته لأداء سهرة في الأفراح، وأضحت لا توجد دار ولا زنقة في قسنطينة لا تسمع فيها أسطوانات الحاج، حيث كان كل من يسمعه يندهش من صوته القوي الذي يتماوج مع الطبقات، خاصة أن له القدرة على الغناء لساعات متتالية دون توقف. واحتضنت المدينة المالوف لحد الساعة، وتعدّت حدوده المحلية إلى الجهوية، وأضحى يطرب حتى المقيمين في الوسط والغرب الجزائري، وكسب جمهورا ثقيلا، كما فتح المجال أمام العديد من الأصوات للظهور، فقد تأثر به الشباب الذين كانوا غير مهتمين بهذا النوع الموسيقي، وعشقته الآذان، وخلف من ورائه جيلا بفضلة أولع بالمالوف وأضاف له، مثل الفنان كمال بودة، تواتي، برمكي، عباس ريغي، وأبناء الشيح الفرڤاني وحتى أحفاده، وتسمع في الأداء نبرات الفرڤاني وكيفية الأداء، إلى جانب أسماء أخرى عديدة، وفتح مدارس جمعوية مهتمة بالمالوف، وبقي يصنع الحدث في المسرح الجهوي لقسنطينة في المهرجانات الدولية للمألوف، ويتهافت عليه القسنطينيون، وسار على طريقه بعض أبنائه السبعة، حيث ولج أبناؤه الأربعة عالم الفن، وعلى رأسهم سليم الفرڤاني ومراد، ومنيرة من البنات التي كانت تغني أحيانا، كما يعد حفيده عدلان الفرڤاني من أهم الأصوات في عالم المالوف، وقد انتقل إلى المرحلة الثالثة من تصفيات الأصوات في برنامج "أراب آيدول" على قناة "أم بي سي" بعد أن أعجبت به لجنة التحكيم في التصفيات الأولى بالجزائر، حيث قدّم مقتطفا من قصيدة مالوف.   عمل خيري متواصل بعد الثورة ومرحلة جديدة عرف الفنان الفرڤاني بحسّه الإنساني المرهف وطابعه الاجتماعي وروح النكتة والوجه المبتسم، حيث عاش في فترة كان فيها المجتمع القسنطيني متآزرا بين عائلات كانت تقطن المدينة القديمة ومحافظة على تقاليدها العريقة، وتعطي لكل فرد قدره، والحفاظ على التلاحم بينهم، وهو ما عملت فرنسا الاستعمارية على القضاء عليه، وهي الصفات الجميلة والحميدة التي ظل الفنان الفرڤاني وبعد استقلال الجزائر محتفظا بها إلى غاية فراقه، فقد كان يحيي حفلات خيرية دائمة غير متوقفة ومنذ السنوات الأولى من الحرية للفئات الهشّة والمحرومة، رفقة شيخه التومي وأخته المرحومة زهور صاحبة الحنجرة القوية التي كانت تغني "الفقيرات" للفئات النسوية، كما كانت له جولات فنية غنائية موجّهة لأرامل ولأبناء الشهداء، وظلت كذلك لسنوات، وحتى لنزلاء دار العجزة والمسنين، حيث كان يحييها بالمجان رغم اسمه اللامع آنذاك، أو الاستفادة من ريعها والتبرّع به لصالح المحتاجين.   نقل المالوف إلى العالمية أمام نكران مشرقي يملك الحاج الفرڤاني أذنا موسيقية سمّاعة، فقد كان يعشق اللون الطربي الأصيل، وله القدرة على الارتجال لدرجة كبيرة، وكان يوصف "طرزان" لقوة صوته، خاصة في الاستخبارات المشرقية، وقد كان بإمكانه أداء المقامات العربية الصعبة بكل سهولة مثل البياتي، النهاوند، والحجاز، وكان يستمع لمحمد عبد الوهاب، وكان يغني للفنان السوري صباح فخري الذي كان متأثرا بموشحاته، وقد كان له السنة الماضية لقاء خاص جمعه به في قسنطينة أثناء احتفالية بمناسبة "قسنطينة عاصمة للثقافة العربية 2015"، كما كان يستمع للعديد من مغني الجزائر من الجيل الذهبي الذين قدّم معهم احتفاليات ودورات فنية عبر ربوع الجزائر، وكان له جلسات كثيرة مع أكبر الشعراء والأدباء، وحظي بالعديد من التكريمات في العديد من المهرجانات وبمنزله. كما كان "ضيف شرف" في سهرات خاصة تشرف عليها وزارة الثقافة والعديد من الهيئات، وبقي الشيخ إلى غاية آخر أيامه حريصا على سماع فناني المالوف من بعده، حيث كان يدقق في الأداء واللحن، وكان يبحث عن الأخطاء وينزعج في حال الخروج عنها، ويتجاوب مع نغمات المالوف، ويغني بالعزف من وقت لآخر في الحفلات العائلية والخاصة، رغم تقدّمه في السن وهو الذي كان يعاني المرض ومن داء السكري، فقد أجريت له عملية جراحية على مستوى إحدى قدميه في مستشفى بفرنسا أين قضى نحبه. 

Aucun commentaire: